الشيخ محمد النهاوندي
565
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
[ الرسول صلّى اللّه عليه وآله ] : « غفرانك ربّنا » « 1 » . وفي ندائه بعنوان الرّبوبيّة مضافا إلى أنفسهم مبالغة في التّضرّع ، وجلب العطوفة « 2 » . وتقديم ذكر السّمع والطّاعة على سؤال المغفرة ، لكونه أدعى إلى القبول والإجابة ، وفي الإقرار بالمعاد بقوله : وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ بيان لعلّة كمال الحاجة إلى المغفرة . وفي رواية ( الاحتجاج ) : عن أمير المؤمنين عليه السّلام في قصّة معراج النبيّ صلّى اللّه عليه وآله قال : « فلمّا أن صار إلى ساق العرش كرّر عليه الكلام ليفهمه ، فقال : آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ ، فأجاب صلّى اللّه عليه وآله مجيبا عنه وعن امّته فقال : وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ، لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ، فقال جلّ ذكره : لهم الجنّة والمغفرة على أن فعلوا ذلك ، فقال النبيّ صلّى اللّه عليه وآله : أمّا إذا فعلت ذلك بنا فغفرانك ربّنا وإليك المصير - يعني المرجع في الآخرة - قال : فأجابه اللّه جل ثناؤه : قد فعلت ذلك بك » « 3 » . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 286 ] لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ ( 286 ) ثمّ بعد ما بيّن اللّه طاعة المؤمنين وانقيادهم له ، ذكر منّته عليهم بالتّسهيل في الأحكام بقوله : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً ولا يلزم على نسمة عملا إِلَّا وُسْعَها وما يسهل عليها ، وتسع له قدرتها ؛ بحيث لا يكون عليها فيه ضيق ولا حرج ، فضلا منه ورحمة على هذه الامّة . عن الصادق عليه السّلام : « ما امر العباد إلّا دون سعتهم ، وكلّ شيء امر النّاس بأخذه فهم متّسعون [ له ] ، وما لا يتّسعون [ له ] فهو موضوع عنهم ، ولكنّ النّاس لا خير فيهم » « 4 » . ثمّ بعد بيان المنّة عليهم بالتّخفيف والتّسهيل في التّكليف ، رغّب في الطّاعة بقوله : لَها ثواب ما كَسَبَتْ وعملت من خير وطاعة ، لا لغيرها . ثمّ رهّب عن المخالفة والعصيان بقوله : وَعَلَيْها عقاب مَا اكْتَسَبَتْ وحصّلت من الشّرّ والضّرّ والمعصية ، لا على غيرها .
--> ( 1 ) . تفسير روح البيان 1 : 447 . ( 2 ) . كذا ، وقياس المصدر : العطف أو العطوف . ( 3 ) . الاحتجاج : 221 ، تفسير الصافي 1 : 289 . ( 4 ) . التوحيد : 347 / 6 .